Banner

painting

Faisal Laibi Sahi's painting

هذه بعض النوادر والحكايات المسموعة عن الفنانين في عصر صالح الكويتي

أميل كوهين

سليمة مراد:

كانت من أشهر مطربات عصرها فكانت تجيد غناء البستات العراقية ولكنها لم تغني إلا القليل من قصائد الشعر العربي الفصيح. لحّن لها صالح وداود الكويتي ستين أغنية وكتب الشاعر الشعبي المشهور عبد الكريم العلاف معظم أغانيها وكانت تغني في أشهر ملاهي بغداد مثل ملهى الجواهري في البتاوين وملهى الهلال وملهى أبو نواس الذي كان يشرف عليه صالح الكويتي. كما وكانت تستدعى للغناء في المناسبات الخاصة كالزواج والأعياد. ويقال كانت تسكن سليمة مراد في منطقة البتاوين مما حال دون وقوع حوادث السلب والنهب ايام احداث الفرهود سنة 1941 في تلك المحلة وهذا دليل على المحبة والإحترام الذي كانت تحظى به من عامة الشعب. وكان نوري السعيد وصالح جبر من كبار المعجبين بها رغم تهجمها عليهما في إحدى أغانيها, وكان لها نفوذاً قوياً لدى الشخصيات السياسية البارزة.

ولدت سليمة في منطقة ططران في بغداد في أوائل القرن العشرين وكانت من أسرة وضيعة نزحت إلى بغداد من حلب وعرفت أختها رجينة من خلال ادارتها مسكناً للبغاء وكانت تملك سيارة رولس رويس وسائقاً خاصاً وقد قتلها زوجها الغيور ضرباً بالساطور (الطبر) فكتب عنها الملا عبود الكرخي قصيدة نالت شهرة واسعة: ويلاخ رجينة ضربوها بالطبر.

وقيل ان سليمة مراد أسلمت ولكن لم تشهر إسلامها حتى أقترانها بناظم الغزالي سنة 1953 .

ويقال أن صالح الكويتي عرض على سليمة مراد أن ترافقه إلى إسرائيل عند الهجرة الجماعية سنة 1951 ولكنها رفضت قائلة أن لها جمهور كبير في العراق وليس لها من يقدر فنها في إسرائيل وما معنى الفنان بدون جمهوره

منيرة الهوزوز:

بدأت الغناء باسمها الحقيقي منيرة عبد الرحمن ولقبت بالهوزوز بعد ما أشتهرت أغنيتها يا عيني الهوزوز لقبت . إعتزلت الغناء سنة 1940 وماتت فقيرة كحال معظم الفنانين في ذلك العصر وسارت على نهجها ابنتها المطربة أحلام وهبي التي ذاع صيتها.

زكية جورج:

واسمها فاطمة محمد ولدت في حلب ونتقلت للعيش مع أختها إلى بغداد عام 1920 للعمل كراقصتين في احدى ملاهي بغداد وغيرت إسمها إلى زكية جورج وكان العمل كراقصة أو كمغنية في ملهى أو مقهى أو مسرح يعتبر عار يلاحقها وكل أفراد عائلتها إذا أفتضح الأمر وفي ذلك ما فيه من مخاطر أيضاً وهكذا عرفت لجمهور بزكية جورج كراقصة من قوم عيسى وبعد سنوات عديدة شاءت الأقدار أن تتعرف بصالح الكويتي الذي أكتشف أن لها صوتاً جميلاً وسحرته بصوتها وبجمالها الفتان وبدأ يلحن لها وبدأت تغني اغاني عراقية حازت إعجاب الجمهور العراقي وصارت لها شهرة واسعة وأثناء ذلك وقع صالح الكويتي بحبها وضل يعشقها لسنوات عديدة حتى صادف أن سافرت ذات يوم في شهر عاشوراء إلى البصرة والتقت وتعرفت على طبيب أسنان وعشقته وتركت صالح يندب نكبة فراقها فلحّن أغنية الهجر مو عادة غريبة. حاولت زكية بعد فترة قصيرة الرجوع إليه والعمل معه في ملهى أبو نواس فرفض وبقيت يعتصرها الندم على زلّتها وغادرت العراق سنة 1950 عائدة الى مسقط رأسها في سوريا واشتغلت كعاملة في احدى مصانع حياكة الملابس النسائية حتى فارقت الحياة عام 1966 بعمر 46 سنة ومن الجدير بالذكر أن كان لها جمالاً باهراً وحتى الشاعر كمال نصرت الذي كتب لها العديد من الأغاني كان أيضاً يهيم بها ومثله في حبه الأفلاطوني مثل الشاعر الكبير أحمد رامي في غرامه مع أم كلثوم.

في نفس الوقت الذي عشق فيه صالح الكويتي زكية جورج, عشق داود الكويتي المطربة المصرية نرجس شوقي التي قضت سنوات عديدة في العراق وغنت أغاني صالح وداود الكويتي ونالت شهرة كبيرة أيضاً.

حضيري أبو عزيز:

ولد في مدينة الشطرة وتيتّم وعمره سنة واحدة فتولت رعايته عمته التي كانت تحسن غناء النواعي واشتغلت ندّابة في المآتم, والشعر الذي يغنّى في هذه المآتم النسائية هو لون من الشعر الحزين الباكي ولقد كان لهذا اللون من الغناء التأثير الشديد على حضيري. بدأ العمل وهو في الرابعة من عمره حيث كلفته عمته برعاية ماشيتها من الأغنام والأبقار والتقى حضيري بصبي من الفلاحين الذي أصبح صديقه الحميم وهو داخل حسن. إنتقل وهو 16 عاماً الى بيت خاله في الناصرية للعمل معه في دكان الخياطة وتعلم في الناصرية الأبوذيات وصار له إلمام بأطوار الأبوذيات وبدأ يغني في بعض الحفلات وأعجب به الجمهور في الناصرية. ويقال أنه كان يأبى الحضور الى البيوت للغناء ويتعزز عليهم فنال اللقب أبو عزيز. وفي إحدى الحفلات التقى بالسيد جميل المدفعي الذي عينه في مصنع خياطة الألبسة لسلك الشرطة كمنتسب خياط ولكنه كان يغني في المصنع مما نتج عن ذلك بانشغال العاملين بغناء حضيري فصدر أمر تعينه شرطي مرور وبعدها نقل الى الموصل وبعد فترة فصل حضيري من الشرطة وكان صديقه داخل حسن شرطياً ايضاً فقدم استقالته إحتجاجاً.

سمع الكثير من الناس بحضيري وغنائه الريفي وصوته الرخيم فاقترح البعض على صالح الكويتي أن يسمعه فجاء حضيري الى بغداد وقضى فترة مع صالح الكويتي الذي دربه وشجعه وصقل فنه كما ولحن له بعض التقديمات والملزمات الموسيقية ولكن كان يكتب ويلحن معظم أغانيه وصارت علاقته وعلاقة داخل حسن وثيقة مع صالح الكويتي ومات سنة 1972 ولا زال يذكر كالرائد الأول للغناء الريفي العراقي.

صالح وداود الكويتي:

وصل الأخوان إلى البصرة من الكويت سنة 1927 وسرعان ما ذاع صيتهم كفنانين بارعين في العزف والغناء وانتقلا في أنحاء العراق لإتقان الجو الفني العراقي. ففي البصرة تعرّفا على الهيوة والخشابة وفي الموصل تعرفا على أنغام الموسيقى الموصلية والسويحلي والدبكات الكردية العمارة والناصرية حيث تعرفا على أطوار الأبوذيات وتأدية الأبوذية بأطوارها المختلفة العديدة وبدأوا بغنائها فجذبت إليهما إعجاب أهالي الجنوب العراقي وأخيرا أستقروا في بغداد للعمل في ملاهي بغداد سنة 1929 وأطلعوا على المقامات العراقية والبستات والموشحات والمربعات وشرعوا بتلحين الأغاني لمعظم مغني عصرهم ورحلا أيضاً الى جنوب إيران وتلقى الأخوان عروضاً سخية للإقامة والعمل في إيران ولكنهما رفضا وفي سنة 1931 أفتتح الأخوان مدرسة لتعليم ودراسة الكمان والعود وقدم إليها من الموصل الأخوان جميل ومنير بشير في بداية حياتهم الفنية قبل التحاقهما بمعهد الفنون الجميلة. بقيت هذه المدرسة مفتوحة حتى سنة 1937 وأغلقت لانشغال الأخوين بقيادة الفرقة الموسيقية للإذاعة العراقية. واحتك الأخوان بالكثير من المطربين والموسيقيين من جنسيات مختلفة مما وسّع إلمامهم وإدراكهم الموسيقي وزاد إبداعهم بالتلحين والتأليف الموسيقي. ومن المشهورين الذين أسسوا علاقة وثيقة مع صالح الكويتي هو الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب عند زيارته العراق سنة 1931 حيث أتقن مقام اللامي الذي هو غير معروف في مصر ولحن بعده ياللي زرعتوا البرتقال وأدخل أيضاً غسمح وقللي يا نور العين في فيلم يحيا الحب. وزارت العراق أيضاً السيدة أم كلثوم سنة 1932 وأصرت على غناء كَلبك صخر جلمود لصالح الكويتي.

كانت الحفلات الإذاعية تبث على الهواء مباشرة من إذاعة قصر الزهور وإذاعة بغداد وكان الإخوان يساهمون في هذه الحفلات. وعند افتتاح الأذاعة العراقية في بغداد كان وزير المعارف الشيخ الشاعر والأديب محمد رضا الشبيبي ووقع أختياره على صالح الكويتي ليكون رئيساً لجوق الأذاعة وقائدها, وقاد الموسيقار صالح الكويتي الكثير من الفرق الموسيقية كفرقة الإنشاد التابعة لدار الأذاعة العراقية كما وزوّدها بمؤلفاته من المقدمات الموسيقية التي ابتكرها هو وعزفها بتقاسيمه الرائعة على الكمان. وعملت فرقة الأذاعة تحت قيادته حتى استقالته سنة 1944 حيث تولى القيادة عليها عازف القانون يوسف زعرور ومن الجدير بالذكر أن صالح الكويتي وسّع التخت البغدادي في الأذاعة بإدخال الجلو والناي الى الفرقة وهناك قصة تقول بأن نوري السعيد كان يحب الأستماع صباح كل يوم الى الأغاني العراقية ولكنه استغرب أن في يوم ما لم تبث أي أغاني واستفسر عن الموضوع فقيل له أن ذاك اليوم كان عيد اليهود المسمى عيد الغفران (يوم كبّور) وبما أن الموسيقيين كانوا كلهم يهود وهذا يوم مقدس لديهم فلم يحضروا للعزف فهاج نوري السعيد بالغضب وطلب استقالة صالح الكويتي وتعيين مشرف غير يهودي على فرقة الإذاعة وإدخال عناصر غير يهودية في الفرقة الموسيقية. استقال صالح الكويتي واتخذ الإشراف على ملهى أبي نواس وقام بسفرات مع سليمة مراد الى لبنان وسوريا وأدى الكثير من التقاسيم الموسيقية التي حازت بإعجاب الموسيقيين العرب.

كان الملك غازي من المعجبين بصالح الكويتي وأهداه ساعة ذهبية عليها ختمه الشخصي تقديراً لفنه و البرامج الموسيقية التي كان يقدمها من إذاعة قصر الزهور التي كان يديرها الملك بنفسه. ولا زالت زوجة صالح الكويتي تحتفظ بهذه الساعة الذهبية.

وفي سنة 1950 صدر قانون إسقاط الجنسية لليهود وحقّ لليهود الخروج من العراق والسفر الى إسرائيل بعد التسجيل ولكن العملية كانت بطيئة ولم تبدأ الحملة بصورة فعلية لأشهر عديدة وفي سنة 1951 غادر مئة ألف يهودياً من العراق. ولم يكن في رغبة صالح أن يغادر وطنه الحبيب ولكنه وجد أن جميع أفراد عائلته قد هجروا فقرر الإلتحاق بهم. ويذكر أن أمير الكويت قدم له الجنسية الكويتية ووعده بمال وجاه إذا قبل اللجوء الى الكويت فرفض لنفس السبب المذكور سابقاً. وكان صالح قد دوّن نوتات أغانيه بعد دراسة التدوين في معهد الفنون الجميلة وأخذ سجل النوتات معه ولكن ضابط السفر في مطار بغداد مزقها ورماها في سلة المهملات وفقد صالح وفقدنا ذخيرة فنه الغزير. وعند نزوله الى مطار اللد استقبلته الجهات الخاصة برشّه بالمبيدبالـ دي دي تي للوقاية من الأمراض المعدية والذي أعتبرها إهانة كبيرة بحقه. لم يسعد صالح في إسرائيل لأن الثقافة العربية والموسيقى العراقية تمثل ثقافة العدو وتعرضت الموسيقى العربية للقمع وعدم التشجيع ومارس صالح وداود أعمالهم الفنية بصورة محدودة ولم يكن لهم ذاك التمجيد والتقدير الذي كان يُكن لهم في العراق.

ربما العلاقة الشخصية بين الأخوين قد تثير الأهتمام فبالرغم من أن داود كان اصغر من صالح بعامين لكن صالح عامله بحب وإخلاص مثل ألأب لإبنه وبقى في ذلك طول العمر حتى مع عائلة داود. ولكن شخصية الاخوين كانت مختلفة عن بعضها البعض فكان صالح جدّياً صارماً في قيادته الموسيقية يحترمه الجميع ويخشون مخالفته وعلى سبيل المثال رفض التلحين لعفيفة اسكندر لمدة طويلة حتى وثق بقدرتها الفنية وإتقانها الأداء رغم شهرتها ومع هذا فكانت تكن له المزيد من الأحترام والتقدير. وبينما كان صالح لا يدخن ولا يشرب الخمر كان داود شخصاً منبسطاً مرحا يحب الشرب والكيف والتدخين والمزاح مع أفراد الفرقة. ومع هذا ورغم تناقض الشخصيتين فكان بينهم كل المودة والتقدير ولا يذكر أن حدث خلاف ملموس بينهما. توفي داود سنة 1976 وكانت هذه صدمة قوية لصالح وعاش سنيناً يندب وفاة أخيه. وفي خلال تشييع جنازة داود طلب صالح من سائق التاكسي الذي يأخذه الى المقبرة أن يمر على بيته وعندئذ أخذ آلة الكمان وبدأ يعزف أحزن الأنغام والدموع تذرف من عينيه ويبكي والكمنجة تبكي معه وكذلك انهالت الدموع على خد أبنه سليمان (شلومو) الذي كان يرافقه حين أدرك أن هذه كانت موسيقى الوداع التي تضاهي أي كلمات تأبين يلقيها إنسان.

كان صالح الكويتي فنان مخلص لفنه وأبدع بعبقرية الحان لا يمكن ان تمحى من الذاكرة وأغاني مازالت تتناقلها الأجيال دخلت قلوب العراقيين بكل طبقاتهم ومذاهبهم متوحدين بحبهم للموسيقى والتراث الذي تركه بألحانه فصار ايقونة فنية تتناقل بحبها الأجيال بالعراق وخارجة بما فيها من ذوق جميل وأصالة ورغم وفاته منذ عام 1986 الا ان ماتركة مازال خالدا بذاكرة ابناء وطنه العراق وقد قال عنه الشاعر الشعبي الكبير عبد الكريم العلاف: هو نزعة فنّية خُلق فأدرك, وجمع فأوعى, فهو واحد يجمع, وجُمع بواحد وليس على الله بمستكثر أن يُجمع.